لبنان على حبل مشدود في “خماسية” الأيام الأخيرة من ولاية سلامة

عبارةٌ اختصرتْ المشهدَ السياسي أمس في بيروت وعكستْ أن «خماسية الأيام» الأخيرة من ولاية الـ 30 عاماً رياض سلامة ستكون محفوفةً بمناخات محمومة في سياق مناوراتٍ مكشوفةٍ لن تنتهي إلا إلى واحد من سيناريوين: تكليف نواب الحاكم الأربعة تسيير المرفق العام بعد استقالتهم الجَماعية الموعودة في الساعات المقبلة، أو جعْل حاكمية «المركزي» برمّتها، بما في ذلك سلامة، في وضعية تصريف الأعمال، رغم طغيان الاتجاه الأوّل بـ «حقل ألغامه» كونه الأقل اجتذاباً للمتاعب الشاملة.
وجاء طغيانُ تَوَهُّجِ ملف الحاكمية في الأيام الخمسة الأخيرة من أطول ولايةٍ لحاكم مركزي في لبنان والعالم على بدء الموفد الفرنسي جان – إيف لودريان زيارته لبيروت أمس، ليؤكد المؤكد لجهة عدم تَوَقُّع أي «معجزة» على صعيد الأزمة الرئاسية في ضوء الحاجة لفترة زمنية لترسيخ مفاعيل ما عبّر عنه اجتماع مجموعة الخمس في الدوحة الاخير من استعادة المسار الخارجي توازُناً كان افتقده في الأشهر الماضية مع اندفاعة باريس في «واقعيةٍ» مبالَغ فيها جعلتْها تُسَلِّم: أولاً برئيسٍ من فريق «الممانعة» بذريعة «أن لا إمكان لانتخاب أي مرشح لا يرضى عنه(حزب الله)على أن يُمنح خصومه(جائزة ترضية)في رئاسة الحكومة، قبل أن تعدّل مبادرتها محاوِلة الدفع لطاولة حوارٍ تعوّض الحزب عن عدم وصول مرشحه سليمان فرنجية وثمة مَن تعاطى معها على أنها لن تكون إلا بمثابة (دسّ للسم) في جمهورية الطائف وتوازناتها بطريقة أو أخرى».
وفيما كان لودريان يلتقي بري في مستهل زيارته التي تستمرّ حتى يوم غد في إطار «مهمته في التسهيل والوساطة، بهدف ايجاد الظروف المؤاتية للوصول إلى حل توافقي لجميع الأطراف المعنية بانتخاب رئيس الجمهورية في خطوة أساسية لإعادة تفعيل المؤسسات الدستورية التي يحتاجها لبنان بشكل عاجل للمضي قدماً نحو الانتعاش»، كما قالت الخارجية الفرنسية، فإنّ في بيروت لا صوت يعلو فوق صوت الرحيل الصاخب لحاكم مصرف لبنان الذي تنتهي ولايته في 31 تموز في استحقاقٍ تقاطَع مع الشغور الرئاسي بما تَعَذَّر معه تعيين خَلَف أصيل وأدْخَل انتقال صلاحيته وفق قانون النقد والتسليف إلى نائبه الأول (الشيعي) وسيم منصوري في دائرة تجاذباتٍ متشابكة على خطين:
الأول: عدم رغبة بري في وضْع المكوّن الشيعي في فوهة البركان النقدي والمالي بالتوازي مع تحميله مسؤولية إطالة أمد الفراغ.
– والثاني تَهَيُّبُ منصوري ونواب الحاكم الثلاثة الآخَرين ما سيكون ابتداءً من الأول من آب، ووضعهم حكومة تصريف الأعمال والبرلمان أمام ما يشبه «الشروط التعجيزية» – لجهة استحالة التزامها – والمتمثّلة بتوفير الغطاء القانوني الذي يتيح الاستمرار بإقراض الحكومة من المركزي (نحو 200 مليون دولار شهرياً) كما التدخل في سوق القطع عبر منصة «صيرفة»، تحت طائلة استقالة رباعية تكون أقرب إلى توقيعٍ على رفْضهم «بمفعول رجعي» السياسات والهندسات التي اعتمدها سلامة والمضيّ بها بعده من خارج مظلّة قانونية.
الموضوع المالي والمصرفي
وإذ أشارت معلومات إلى أن الحكومة تعقد غداً اجتماعاً لبحث الموضوع المالي والمصرفي مواكبةً لِما سيكون نواب الحاكم أعلنوه ولَما سيطلقه سلامة من مواقف – خيارات في إطلالة تلفزيونية مساء اليوم، فقد اعتُبر موقف بري أمس بدعوته الحكومة إلى تعيين حاكم جديد في إطار رفْع السقف تحت سقف اعتراضه على تولي منصوري صلاحيات سلامة، أكثر منه دفعاً لخطوةٍ يدرك تماماً الموانع التي تحول دون إتمامها وليس أقلّها عدم استعداد شريكه في الثنائية الشيعية إلى تغطية مثل هكذا تعيينٍ، هو الذي كان أبلغ المعنيين علناً عبر القنوات الخلفية، بأنه مع أن يتسلم النائب الأول للحاكم وفق ما ينص عليه القانون.
وقد عُزي موقف الحزب لاعتبارات عدة بعضها «ذو وجهين» لناحية عدم الرغبة في استثارة «التيار الوطني الحر» الذي يسعى إلى معاودة الشَبْك معه، ولو بصعوبة فائقة، في الملف الرئاسي، وفي الوقت نفسه إشعار المسيحيين بوطأة ممانعة انتخاب سليمان فرنجية وتالياً تأخير الحل الرئاسي على الموقع الحساسة التي يتولونها في السلطة والإدارة والتي تنتقل تباعاً إلى طوائف أخرى ولو لمرحلة انتقالية.
ورغم الاقتناع بأن تعيينَ خَلَفٍ لسلامة محسومٌ عدم حصوله، فإن هذا الطرح اعتُبر في جانب منه بمثابة«تمهيدٍ»لاستقالة نواب الحاكم، وانعكاساً في جانبٍ آخَر لتعقيداتٍ تلفّ هذه الاستقالة في ضوء إشاراتٍ إلى تبايناتٍ بين هؤلاء وتلميحات من أطراف سياسية إلى أن أحدهم لم يحسم استقالته أو قد لا يكون في واردها، ناهيك عما رافق جلسة مجلس الوزراء أول من أمس من تلميح لإجراءات زاجرة بحقهم ينص عليها قانون العقوبات وبينها «التجريد المدني للموظفين الذين يربطهم بالدولة عقد عام اذا اقدموا متفقين على وقف أعمالهم او اتفقوا على وقفها او على تقديم استقالتهم في أحوال يتعرقل معها سير احدى المصالح العامة».
هبّات ساخنة نقدية
وفي موازاة ترقُّب مجريات هذه الأزمة في الأيام المقبلة والخشية المتعاظمة من «هبّات ساخنة» نقدية بين لحظة وأخرى، تُعَزِّزُها سيناريوهات رُميتْ عن «طوفانٍ» يَجري الإعدادُ له وليس سلامة بعيداً عنه، فإن مَهمّة لودريان في جولتها الثانية (بعد جولة حزيران الماضي) انطلقت وسط «لا توقّعاتٍ» حيالها، هي التي تأتي بعد سلسلةِ محطاتٍ عَرَضَها الناطقُ باسم الخارجية الفرنسية من «زيارة الممثل الشخصي للرئيس الفرنسي لشؤون لبنان السعودية من 10 إلى 12 يوليو، ثم قطر حيث شارك في اجتماع حول لبنان مع السعودية وقطر والولايات المتحدة ومصر في 17 الجاري، قبل أن يعود إلى السعودية مرة أخرى في 18 يوليو».
وإذ لن يتأخّر الوقت قبل تبيان الخيط الأبيض من الأسود مما يحمله لودريان «الجديد» من أفكار على أنقاض طرحيْ: فرنجية رئيساً مقابل رئيس حكومة قريب من خصوم «حزب الله» وطاولة حوارٍ نعاها بدوره ضمناً بيان «مجموعة الخمس» حول لبنان الذي دعا لانتخاب في البرلمان وفق الآليات الدستورية ومع تلويح بعقوباتٍ على معرقلي الاستحقاق، فإنّ تصويب «حزب الله» المتواصل على الولايات المتحدة في معرض مهاجمته بيان الدوحة «والاستقواء بالخارج والعقوبات» بدا وكأنه يصيب في شكل مباشر فرنسا ومهمتها باعتبارها وسيطاً لا يملك أدوات تأثير ولم«يُعتمد»سابقاً إلا لأنه كان يتبنى خيار فرنجية وهو ما أعطى مبادرتها ثقلاً مرحلياً.



