إجتماع البابا بالرؤساء الروحيين المسلمين والخطيب سلّمه رسالة الطائفة الشيعية

دريان: لبنان أرض الرسالة وحامل رايتها ومؤتمن على نشر الأمن والسلام في العالم
عقد اجتماع في مقر السفارة البابوية في حريصا ضم البابا لاوون الرابع عشر والرؤساء الروحيين المسلمين، مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى، رئيس المجلس الإسلامي العلوي في لبنان الشيخ علي قدور، السفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجيا ومسؤولين في الكرسي الرسولي. وعرض المجتمعون الواقع اللبناني والظروف الصعبة التي يمر بها لبنان، لا سيما في ظل العدوان الإسرائيلي المستمر، وتمنوا على قداسة البابا المساعدة في المحافل الدولية من أجل المساهمة في تحقيق الاستقرار، فأكد الحبر الأعظم أنه سيواصل جهوده السياسية والدبلوماسية في هذا المجال. والقى مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عيد اللطيف دريان كلمة في اللقاء الإسلاميّ المسيحي، بحضور البابا في ساحة الشهداء قال فيها:
« بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ للهِ ربِ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أنبياءِ ورسلِ اللهِ أجمعين، وعلى سيِّدِنا محمدٍ خاتمِ الأنبياءِ والمرسلين، وعلى آلهِ وأصحابِه أجمعين.
وبعد:
فإنّه لَمِن دواعي سُرورِنا أن نكونَ في استقبالِ بابا الفاتيكان لاوُون الرابعَ عَشَر الذي يزورُ لبنان بلدَ التَّعايُش والتَّعَدُّدِ الطَّائفيّ المتنوُّعُ، وهو غِنىً وإثراءٌ لإنسانيةِ الإنسان ، واعتبارُ المواطَنةِ أساساً في تحديدِ الحقوقِ والواجبات على حدٍّ سَوَاء ، ومِن دونِ أيِّ تمييز. وفي لبنان نؤكِّدُ دائماً ثوابِتَنَا الوطنيةَ، في قِمَمِنا الرُّوحية ، ونَحتَرِمُ الحُرِّيَّاتِ الدِّينيَّةَ وحقوقَ الإنسان ، كأساسٍ للعيشِ المُشتركِ في مُجتمعِاتِنا المتنوِّعَةِ والمُتَعَدِّدة ، ولا نِتدِخَّلُ في الخصوصِيَّات، فبلدُنا لبنان يَحمي دُستورُه حقَّ الطَّوائفِ في مُمارسةِ شرائعِها، مِصداقاً لقولِه تعالى: {لكلٍّ جعَلْنا مِنكُمْ شِرعَةً وَمِنهاجاً}. الإسلامُ هو المَسِيرَةُ الإيمانيَّةُ بِاللهِ الوَاحِد ، مِن آدمَ إلى نوحٍ وإبراهيم ، إلى موسى وعيسى، وانتهاءً بمحمد ، عليهم جميعاً صلواتُ اللهِ وسلامُه.
وقد قال اللهُ تعالى في مُحكمِ تَنزِيلِه: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ، وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}. ونستذكر هنا ما أمرَ به رسولُ اللهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الذينَ لا يَستطيعون الدِّفاعَ عَنْ أنفُسِهِمْ مِنَ المُؤمنين، بالهِجرةِ إلى الحَبَشَة، وقال لهم: (إنَّ فيها مَلِكاً لا يُظلَمُ عِندَهُ أَحَد) . وخَشِيَتْ قُريشٌ أنْ تَنتَشِرَ الدَّعوَةُ بهذهِ الطَّريقةِ خارِجَ مَكّة، فأرسَلتْ رُسُلَهَا إلى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشةِ المَسِيحي، لِيَطرُدَ المُسْلِمينَ مِنْ عِندِه، وقد زَعَمَ رَسُولا قُريشٍ أنَّ هؤلاءِ اللاجئينَ عِندَه، والطَّالبينَ حِمَايَتَه، والعَيشَ مُؤَقَّتاً في جِوَارِه ، هُمْ ضِدُّ دَعوةِ عيسى عليهِ السَّلام ، فقرأَ جَعفرُ بْنُ أبي طَالِب، اِبْنُ عَمِّ النبيِّ على المَلِكِ صَدْرَاً مِنْ سُورةِ مريم ، فتأثَّرَ النَّجَاشِيُّ وقال: (إنَّ هذا، ومَا أَتَى بِه عيسى، لَيَخرُجُ مِنْ مِشكاةٍ واحدة) . وأبى أنْ يَطرُدَ الآتِينَ إليهِ، هَرَبَاً مِنَ الاضْطِهادِ بِسَبَبِ إيمانِهم ، وأصبحَ المسيحيون في أرضِ الحبشةِ، أولَ أصدقاءِ الدَّعوةِ الجَدِيدَة ، وأوَّلَ أصدقاءِ أهلِها. وإنَّ وَثيقةَ المدينةِ المُنوَّرة، التي قامَتْ على أَساسِهَا نَوَاةُ الدَّولةِ الأُولى في الإسلام ، نَصَّتْ على أنَّ المؤمنين وغيرهم في المجتمعِ المَديني المتنوع، يُشَكِّلونَ مَعَ المسلمين (أُمَّةً وَاحِدَة)» . اضاف: «بهذِه الأُسُسٍ الإيمانِيَّة، أُرَحِّبُ بِضَيفِ لبنانَ الكبير، البابا لاوَون الرابعَ عَشَر، مُتمنِّياً له التَّوفِيقَ في قِيَادَةِ السَّفِينَةِ المَسِيحِيَّة، لِمَا فيه خَيرُ الإِنسانِيَّة ، على النَّحوِ الذي تُجَسِّدُهُ وَثِيقَةُ الأُخُوَّةِ الإِنسانِيَّةِ، بَينَ إِمَامِ الأَزهَرِ الشَّرِيف ، الشيخ أحمد الطيّب ، والبابا الراحل فرنسيس».
وختم دريان: «إنَّ لبنانَ هو أَرضُ هذِه الرِّسَالة ، وهو رَافِعُ رَايَتِها، وَالعَامِلُ عليها ولها . ولذلك فإنَّنا ، نَعُدُّ أَنْفُسَنا مُؤتَمَنِينَ ، دِينِيّاً وأخلاقِيّاً ووطنِيّاً ، على حَملِ مَشعَلِ هذِه الرِّسَالَة ، حتَّى يَعُمَّ الأمنُ والسَّلامُ في العالَم ، وحتَّى تَسُودَ المَحبَّةُ بينَ جَميعِ الأُمَمِ والشُّعُوب».
من جهته، رفع العلامة الخطيب إلى البابا خلال اللقاء رسالة مطولة يشرح فيها رؤية الطائفة الإسلامية الشيعية للبنان والعلاقة مع المكونات اللبنانية، والظروف التي عاشتها وتعيشها هذه الطائفة ولبنان بشكل عام في ظل العدوان الإسرائيلي، كما قدم للبابا نسخة من كتاب «نهج البلاغة» الذي يتضمن خطب ورسائل الإمام علي بن أبي طالب. واكد الخطيب في الرسالة لقداسة البابا «إننا طلاب سلم، لكنه السلم القائم على العدالة والحق وحفظ الكرامة الإنسانية. فعندما ساندت طائفتنا الشعب الفلسطيني في غزة، إنما استمدت موقفها أولا من هذه الرؤية ومن إيمانها بأن هذا الشعب له الحق بالحياة الكريمة، خارج سياط الاحتلال وقمعه الذي شهدتم في الفترة الأخيرة فصولا مأساوية من حرب الإبادة التي تعرض لها هذا الشعب، وهو ما دفعكم شخصيا لاتخاذ مواقف مناهضة لهذه الممارسات،هذه المواقف التي نوجه لكم أسمى آيات التحية والتقدير حيالها. وثانيا من موقف مسؤوليها الصريح حول التوسع والاحتلال للبنان والدول المحيطة لانشاء دولة «اسرائيل الكبرى» والتهديدات المستمرة للبنان وشعبه، وهي تمارس اليوم وبشكل مستمر عدوانا مباشرا على لبنان وتغتال المواطنين العزّل وتدمّر بيوتهم ومزارعهم ومصانعهم، وتمنع اعادة الحياة في مناطقهم، وتمنعهم من ترميم بيوتهم المتضررة بفعل العدوان الإسرائيلي، فضلا عن اعادة اعمار القرى التي دُمرت بشكل كامل، على الرغم من ان الامين العام للامم المتحدة وقوات اليونفيل في جنوب لبنان والحكومة اللبنانية، اقروا بأن لبنان التزم موجبات الاتفاق الأممي الذي وقعت عليه اسرائيل ، وبضمانة أميركية – فرنسية، فتنصلت الولايات المتحدة اخيرا لها، واعطت الضوء الاخضر لإسرائيل لمواصلة اعتداءاتها، اضافة الى فرض حصار مالي مطبق على لبنان لمنع اعادة الاعمار وربطه بنزع السلاح وتدميره، ومنع الجيش اللبناني من الاحتفاظ به واستخدامه للدفاع عن لبنان، واعطاء الحق لإسرائيل في ممارسة العدوان على لبنان لأي ذريعة يدعيها تبيح له ذلك. نحن كطائفة اكثر تمسكا بالدولة التي تقوم بواجبها في الدفاع عن سيادتها وكرامة شعبها، ولسنا مغرمين بحمل السلاح وتقديم ابنائنا شهداء كبديل عن الدولة، وانما تم دفعنا الى هذا، ولم يكن ذلك خيارا لنا حين تُركنا نواجه العدوان وحدنا، وتخلت الدولة عن مسؤولياتها. واذا كانت الدولة قاصرة عن الدفاع عن ترابها وشعبها، فلماذا يراد سلب اهلنا حق الدفاع عن أنفسهم وهو حق انساني فطري وشرعي وقانوني، اقرته الشرائع الدينية والمدنية. لذلك فإننا نتقدم منكم بهذه الرسالة آملين من جنابكم وبما لكم من تأثير، الضغط من اجل تطبيق الاتفاق ووقف الخروقات له، والتي زادت عن خمسة الاف، وتمكين المواطنين في المناطق المتضررة من العودة لممارسة حياتهم الطبيعية واعادة اعمار قراهم وبيوتهم المهدمة ومزاولة حياتهم الطبيعية فيها. إننا نترقب نتائج زيارتكم إلى لبنان بروح الأمل،ونراهن على حكمتكم لفتح ثغرة في جدار الأزمة اللبنانية . كما نتطلع الى تفعيل الحوار بين المسلمين والمسيحين والتعاون الجاد، خصوصا في القضايا التي تمسّ القيم الإنسانية واثرها السلبي على الحياة البشرية وبقائها، من تفكيك الأسرة والمجتمعات الإنسانية، بما يمسّ كرامة الانسان والقيم الدينية المشتركة».



