الانتخابات النيابية في لبنان بين الحسابات الداخلية وإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط
مصباح العلي
منذ أيام، ينشغل الوسط السياسي اللبناني بتسريبات ومؤشرات متزايدة حول احتمال تأجيل الانتخابات النيابية لمدة تتراوح بين سنة كاملة أو حتى تمديد ولاية المجلس الحالي. اللافت في هذه الأجواء أن ما يُعرف باللجنة الخماسية المتابعة للملف اللبناني، والتي دأبت سابقًا على التشديد على احترام الاستحقاقات الدستورية، تبدو اليوم أقرب إلى عكس رغبة ضمنية باستبعاد الانتخابات في موعدها المحدد، وهو ما يشكّل تحولًا جوهريًا في مقاربة المجتمع الدولي للواقع اللبناني.
يمثّل هذا الاحتمال، إن تحقق، نكسة واضحة للعهد الذي يُفترض أن يقوده الرئيس جوزيف عون، والذي قام خطابه السياسي على أولوية إعادة بناء مؤسسات الدولة وتثبيت انتظامها الدستوري.
فالانتخابات النيابية ليست مجرد استحقاق إجرائي، بل هي الركيزة الأساسية لأي مسار إصلاحي ديمقراطي، وأي تأجيل لها يطرح علامات استفهام جدية حول صدقية الالتزام الداخلي والخارجي بمشروع إعادة بناء الدولة.
تساؤلات حول تبدل الأولويات الدولية
يثير هذا التحول تساؤلًا مشروعًا: لماذا قد تضحي الأطراف الدولية التي ساهمت في ولادة العهد الجديد وتشكيل الحكومة الحالية بالاستحقاق الديمقراطي الأهم؟ ولماذا يتراجع الإصرار الدولي على إجراء الانتخابات في موعدها، رغم اعتبارها المدخل الطبيعي لإعادة إنتاج السلطة وفق قواعد الشرعية الشعبية؟
وفق مصدر دبلوماسي متابع، فإن الإجابة تتجاوز الحدود اللبنانية، وترتبط بتحولات استراتيجية أوسع يُتوقع أن يبلغ مداها ذروته بحلول عام 2027، الذي يُرجّح أن يشكّل نقطة مفصلية في إعادة رسم التوازنات في الشرق الأوسط.
لبنان في قلب إعادة الهيكلة الإقليمية.
تشير المعطيات إلى أن المنطقة تشهد مسارًا تدريجيًا لإضعاف النفوذ الإيراني الممتد من العراق إلى سوريا مرورًا بـلبنان وصولًا إلى قطاع غزة. ويُتوقع، وفق المصدر نفسه، أن تعتمد إدارة دونالد ترامب، في حال عودته إلى السلطة، مقاربة أكثر صرامة تجاه هذا الملف، تشمل فرض ترتيبات أمنية جديدة في لبنان.
من بين السيناريوهات المطروحة:
إعادة النظر في مهمة قوات اليونيفيل العاملة جنوب لبنان.
احتمال استبدالها بقوة متعددة الجنسيات تعمل تحت إشراف الأمم المتحدة وبصلاحيات أوسع.
نشر هذه القوة على طول الحدود مع إسرائيل، وربما على الحدود الشرقية مع سوريا.
فرض ترتيبات أمنية وسياسية جديدة تندرج ضمن استراتيجية أوسع لمحاصرة نفوذ إيران في المنطقة.
وظيفة لبنان قبل انتخاب برلمان جديد
في ضوء هذه التحولات، يبدو أن بعض الأطراف الدولية تعتبر أن تحديد “وظيفة لبنان” في النظام الإقليمي الجديد يسبق إعادة تشكيل سلطته التشريعية. بمعنى آخر، فإن هوية لبنان السياسية ودوره الاقتصادي والأمني في المرحلة المقبلة قد يجري تثبيتها أولًا، قبل السماح بإجراء انتخابات قد تفرز توازنات غير منسجمة مع هذه الرؤية.
ضمن هذا السياق، يبرز اتجاه لدى بعض دوائر القرار الدولية للنظر إلى لبنان كمساحة استقرار اقتصادي وخدماتي في المنطقة، مع التركيز على دوره السياحي والمالي، وهو ما يتقاطع مع رؤية ترامب التي لطالما أولت أهمية خاصة للقطاعات الاستثمارية والسياحية.
إن تأجيل الانتخابات النيابية، إن حصل، لن يكون مجرد قرار إداري أو دستوري، بل سيكون انعكاسًا مباشرًا لتحولات إقليمية عميقة تتجاوز لبنان نفسه. وسيعني ذلك عمليًا أن مستقبل الحياة السياسية اللبنانية بات مرتبطًا بإعادة رسم التوازنات في الشرق الأوسط، وأن الاستحقاقات الدستورية أصبحت، إلى حد كبير، رهينة الترتيبات الدولية المنتظرة.
في هذه المرحلة المفصلية، يبقى السؤال الأهم: هل سيكون لبنان شريكًا في رسم مستقبله، أم مجرد ساحة لتطبيق تفاهمات الآخرين؟



